
كتبت ساندي الحايك في موقع mtv:
يكبر الأطفال قبل أوانهم أحياناً. يفتحون أعينهم على حقائق موجعة، ويغمضونها على أحلام كبيرة قد لا تنسجم مع واقع بلدانهم الصعب، لكنها من دون شكّ، تُنسيهم بعض ما قاسوه من مرارة التجربة. في هذا التحقيق الذي سننشره في أربع حلقات متتابعة، سنروي قصتي الطفلتين غابريال وجوليا.
بابتسامة جميلة تُلقي التحايا على الحاضرين. تجول بعينيها في المكان متفحصة زواياه. تتنقل بين الأروقة لتصل أخيراً إلى غرفة العلاجات الفيزيائية. تضع يدها على دولاب كرسيها المتحرك وتضغط محاولةً رفع جسدها النحيل. ابتسامتها البريئة لا تزال حاضرة. لا تفارقها. تنحني فوق يدي المعالجة الفيزيائية كطفلٍ تهيّأ للارتماء في أحضان أمّ حنون. على رغم أوجاعها تبرق عيناها الزرقاوان أملاً. تُلقي نظرة خاطفة على الحاضرين في الغرفة وتبتسم من جديد. لا مكان لتعابير اليأس فوق صفحة وجهها. برفقٍ، تُلقيها المعالجة أرضاً وتهمسُ في أذنها: “لا تخافي… أوقفيني إن شعرتي بأي شيء”. تُومئ برأسها موافقة وتبتسم. تواجه غابريال أوجاعها بابتسامتها. هي سلاحها الوحيد. فكيف بإمكان صغيرةٍ في سنها أن تتحدى صعوبات حياتها من دون أن تتسلح بالفرح؟
تُعاني ابنه الـ14 سنةً من شللٍ في الأطراف الأربعة، وذلك نتيجة ولادتها قبل أوانها. فعندما كانت والدتها جاكلين خوري حاملاً بتوأم، وصلها خبر وفاة ابنتها الشابة (22 سنة) في حادث سير في لبنان، ما اضطرها على أثر الصدمة والحزن الشديدين، إلى أن تلد التوأمين وهما في الشهر السادس. الشقيقة التوأم لغابريال فارقت الحياة على الفور، في حين أدى نقص الأوكسيجين في الدماغ إلى شللٍ في أطراف غابريال.
فُجعت السيدة جاكلين بخسارة طفلتين في الوقت نفسه. حاولت أن تُقاوم حزنها الشديد لكن الكأس المرّة التي تجرّعتها كانت أقوى من طعم العلقم. بعد مرور عام على ولادة غابريال صُدمت بخبر إصابتها بشلل الأطراف، لكن هذه الصغيرة كانت أملها الوحيد بالتعافي النفسي والمواجهة، فآثرت أن تحتضنها وتمضي بها في رحلة العلاج الشاقة. تقول: “بدأنا مرحلة العلاج منذ العام الأول لأن حالة غابريال صعبة ودقيقة، ولحسن الحظ تواصلنا مع طبيبة تعمل في مؤسسة “سيزوبيل”،التي تُقدّم الرعاية الاجتماعية لذوي الاحتياجات الخاصة، وهي التي أوعزت إلي بأن آتي مع غابريال إلى هنا”، مضيفةً: “تغيّرت حياتنا عندما دخلنا هذه المؤسسة، فـ”سيزوبيل” لم تعتنِ بغابريال فحسب، بل احتضنت العائلة كلها ولا سيما أنا”.
الإيجابية التي لمستها جاكلين مع طفلتها باتت كالشمس التي تلفها غيمة شتاء سوداء، فـ”سيزوبيل” وسواها من مؤسسات الرعاية الاجتماعية التي تُعنى بذوي الاحتياجات الخاصة باتت مُهددة بإقفال أبوابها نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمرّ بها لبنان من جهة، والتي تضاعفت سوءاً عقب الانفجار المدوي الذي هزّ بيروت في الرابع من آب من جهة ثانية. فهذا الحدث المُزلزل الذي أدى إلى وفاة ما يزيد عن 250 ضحية ودمّر آلاف المنازل والمؤسسات والشركات، أوقع البلد من جديد في ألف خسارة وخسارة وألف همّ وهمّ، وأدى إلى تبدل الأولويات بشكل كبير.
حظيت غابريال بأصدقاء كُثر، فقد باتت المؤسسة عائلتها الثانية. جوليا واحدة منهم. طفلة لم تتجاوز الثامنة من عمرها. تُخفي وجهها الأسمر حياءً من الحاضرين بشعرها الأسود الكثيف. هادئة تشع براءة. بخطوات ثابتة تتنقل في الأرجاء. تقف فجأة، تُعاود تثبيت قوامها، ثم تتقدم خطوة إضافية إلى الأمام. تتحدى أوجاعها. تقاوم كجلمود صخر. تُصرّ على التقدم من جديد رغم الارتخاء الحاد الذي تشكو منه في كل عضلات جسدها نتيجة إصابتها بتأخر عام، تتسلح بإصرارها ورغبتها بالتقدم.
وجودها في مؤسسة للرعاية الاجتماعية ساعدها كثيراً، بحسب والدتها سابين شايب. عانت الأخيرة كثيراً قبل الاستدلال على “سيزوبيل”، إذ تقول: “تنقلنا من معالجة إلى أخرى من دون أن تستفد جوليا بشيء. كنت أشعر طوال الوقت بأنه يجب أن نقدم لها المزيد، كنت متأكدة أن باستطاعتي أن أساعدها بطريقة ما. بقيت على هذا الحال لسنوات إلى أن اكتشفنا “سيزوبيل” التي باتت بيتنا الثاني”.
الراحة التي لمستها كل من الوالدتين جاكلين وسابين تُبدّدها الآن مخاوف توقف المؤسسة عن العمل نتيجة الضائقة المادية التي تواجهها، بسبب تأخر الدولة اللبنانية عن دفع مستحقاتها من جهة، وتراجع التبرعات والمساعدات من جهة ثانية. ففي العام 2019 هددت “سيزوبيل” بإقفال أبوابها والتوقف عن استقبال الأطفال ورعايتهم بسبب العجز المستمر في ميزانيتها، وهو ما دفع أهالي الأطفال إلى الاعتصام أمام مقر البطريركية المارونية في بكركي وأمام وزارة الشؤون الاجتماعية المعنية بتوقيع العقود مع مؤسسات الرعاية، مطالبين بعدم إهدار حقوق أطفالهم. وحصلت حينها المؤسسة على وعود بتحسن الوضع، لكنها رغم ذلك اتخذت تدابير قاسية لعصر نفقاتها، تمثّلت بوقف الوجبة اليومية للأطفال، وإلغاء نشاطات أشهر الصيف (الكولوني)، وتعديل دوام استقبال الأطفال في مراكز المؤسسة ليقتصر على ثلاثة أيام في الأسبوع فقط، إضافة إلى تقليل ساعات العمل وخفض رواتب العاملين.
ولكن بعد مرور عام تقريباً هل تحسن الوضع؟
الجواب في الحلقة الثانية..
يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.