«العهد» بـ مرمى «العقوبات»؟

أكد مصدر فرنسي رفيع المستوى لـ”النهار” ما كشفته مصادر ديبلوماسية غربية من ان وزير الخارجية الأميركي انطوني بلينكن ونظيره الفرنسي جان ايف لو دريان قررا خلال لقائهما الأخير بعث رسالة مشتركة قصيرة وقاسية حملتها السفيرتان الفرنسية ان غريو والاميركية دوروثي شيا الى رئيس الجمهورية ميشال عون قبل وقت قصير من لقائه الرئيس المكلف سعد الحريري واعتذار الاخير. واهم ما حمله مضمون رسالة الوزيرين ولهجتها يعكس خطورة الوضع اذ يدعوان فيها الرئيس عون بصفته رجل دولة عليه الى ان يعي مسؤوليته ازاء بلد يراه ينهار دون التحرك.

واشار لو دريان الى القرار المبدئي الذي اتخذه وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي بفرض عقوبات اوروبية على المسؤولين اللبنانيين الذين يستمرون في تعطيل الوضع السياسي اللبناني.

4 أسماء لـ خلافة «الحريري».. فـ مَن هي؟

ثمة اسماء أربعة يجري تدوالها في شأن تكليفها تشكيل الحكومة المرتقبة :

1- الرئيس نجيب ميقاتي، الذي يفترض ان حظوظه مرتبطة بشرطين يضعهما: الأول توافق يشبه الإجماع حوله. والثاني: الاتفاق على برنامج انقاذي واصلاحي، يجري الالتزام به.



2- النائب فيصل كرامي، الذي تردد انه تلقى اتصالاً من الرئيس الحريري بعدما اعلن اعتذاره، واتفقا على عقد لقاء قريب بينهما.

3- النائب فؤاد مخزومي…

4- السفير والقاضي في المحكمة الجنائية الدولية نواف سلام، الذي يحتاج وفقاً لمصادر واسعة الاطلاع إلى توافق دولي – اقليمي حول اسمه، وهذا لم يتوفر بعد…

ٳرتفاع منسوب الخطر الٲمني.. ٳستدراج «الجيش» ٳلى لُعبة الشارع

إنّ مشوار تكليف شخصية سنية لمهمة تشكيل الحكومة بعد اعتذار الرئيس سعد الحريري لن يكون مشواراً سهلاً لا بل على العكس، تبدو المهمة بالغة التعقيد وسط الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة والتي فاقم من صعوبتها خروج الحريري بالطريقة التي حصلت.

ورغم الكلام الذي ساد حول نيته بالاعتذار طوال الاسابيع التي سبقت، إلا أنه لم توضع اي تحضيرات لخطة بديلة يجري تنفيذها تجنباً للفراغ القاتل. وعندما التقى رئيس الجمهورية الرئيس المكلف في قصر بعبدا في آخر لقاء بينهما تعمّد انتهاج سلوك يهدف الى دفع الحريري الى الاعتذار خشية ان يبقى في دائرة التردد، رغم ذلك بدا انه لم يكن هنالك اي تحضير استباقي لمرحلة ما بعد الاعتذار، وهو ما سيجعل مرحلة تحديد موعد الاستشارات النيابية الملزمة تطول بعض الشيء. ومرة جديدة تثبت الطبقة السياسية أنها تعمل وفق مبدأ الانفعال وردود الفعل لا التخطيط والرؤية الشاملة. لذلك تسارعت المواقف الدولية حيال وجوب الاسراع في إجراء الاستشارات النيابية فوراً ومن دون اي تأخير. وحملت هذه الدعوات في طياتها قلقاً واضحاً حيال مخاطر الفراغ الذي يطال السلطة التنفيذية في لبنان. وليس سراً انّ الديبلوماسية الفرنسية وبدعم واضح من الديبلوماسية الاميركية، تعمل على المساعدة في تذليل العقبات أمام إيجاد شخصية سنية تحظى بالغطاء المطلوب داخلياً وايضاً سعودياً. وهذا لن يشكل حساسية داخلية، خصوصاً اذا ما اقترن ببرنامج مساعدات سعودية للواقع المالي اللبناني المزري، بشرط ان تكون هذه الشخصية تحظى بالحد الادنى من القبول الشيعي. لذلك ابلغ «حزب الله» رفضه لخيار نواف سلام.



في الواقع هناك اتجاهان يسودان الساحة السياسية حول كيفية التعامل مع مسألة التكليف: الاتجاه الاول يترأسه رئيس الجمهورية وهو يعتبر أنه حقق مكسباً سياسياً كبيراً بإزاحة الحريري، وهو ما يستوجب استكمال خطوته بالعمل على ايصال شخصية تكرّس هذا المكسب، اي ان تكون قريبة ومتناغمة مع الرئيس عون، وطرح في هذا المجال عدة اسماء من بينها: فؤاد مخزومي، فيصل كرامي، جواد عدرا…

وبَدا «حزب الله» متريثاً في هذا الاطار، ذلك أنه يعلم بأن هذه السلة من الاسماء قادرة من خلال دعم القوى السياسية التي ستؤديها، الى نيل غالبية نيابية بسيطة لكن تبقى أسئلة ثلاثة:

1 – ما هو موقف العواصم الغربية وخصوصاً فرنسا صاحبة المبادرة باتجاه لبنان والقادرة على التأثير في موضوع المساعدات الدولية.
2 – ما هو موقف السعودية؟
3 – ما هو موقف الشارع السني الذي بات أسير السقف السياسي الشاهق الذي رسمه الحريري؟



أما الاتجاه الثاني فيمثّله الرئيس نبيه بري الذي يتمسّك بتسمية شخصية يوافق عليها الحريري وكذلك نادي رؤساء الحكومة السابقين اضافة الى دار الافتاء. وبرز في هذا المجال اسم الرئيس نجيب ميقاتي.

أضف الى ذلك موقف فرنسا المؤيّد له لكن بقي التأييد السعودي لميقاتي. إلّا أنّ ثمة فكرة وسطية ظهرت وتقضي بالحصول على عدم اعتراض سعودي في حال صعوبة الاستحصال على موافقة صريحة، وأن فرنسا مستعدة للعمل في هذا الاتجاه. لكن المشكلة انّ الحريري الذي التزم بعدم تأييده العلني لأي مرشح آخر، التزم بسقف سياسي حول تشكيلة الحكومة من المفترض ان يلتزم به ميقاتي ولكن رئيس الجمهورية يرفضه، وهذا ما دفع ميقاتي الى ابداء ممانعته للقيام بهذه المهمة، خصوصاً أن باب المساعدات الخارجية والذي يشكل باب الخلاص المطلوب، إن من صندوق النقد الدولي أو من السعودية، لن يكون متوافراً، ما سيجعله كبش محرقة وسيعرّضه لإنهاء مسيرته السياسية بأبشع الصور وسط الانهيارات المتلاحقة في لبنان. أما نواف سلام وهو الاسم الذي تؤيده السعودية فهو يخضع لفيتو «حزب الله». وهو ما يعني أن الاتفاق على اسم ليس مسألة قريبة التحقق، فيما المخاطر تزداد وتفتح الباب اكثر امام فوضى الشارع.



فخلال الايام الماضية ارتفع منسوب الخطر الامني في الشارع مع رصد مؤشرات لا بد من التوقف عندها بتمعّن. فلقد بَدا وكأنّ المطلوب استدراج الجيش الى لعبة الشارع، وهو الذي يعاني من الأزمة المعيشية والمالية. ففي جبل محسن وخلال قيام وحدات الجيش بمهمة اعادة فتح الطرق، جرى إلقاء قنبلة يدوية باتجاه عناصره ما ادى الى جرح 5 جنود. وجاءت هذه الحادثة من خارج السياق الذي ساد لعبة الشارع طوال المراحل الماضية. والأهم أنّ هذا الاعتداء حصل فيما كان الجيش يعمل على فتح الطريق التي قطعت والتي تؤدي الى ثكنته، وهو مؤشر ثانٍ حول استهدافه. ووفق التحقيقات الاولية بَدا انّ الذي ألقى القنبلة هو شاب من الجنسية السورية قدم مؤخراً الى المنطقة. والمؤشر الثاني والذي جاء متزامناً مع حادثة جبل محسن فهو حصل بُعَيد اعلان الحريري اعتذاره، مع التجمعات التي تركزت بالقرب من المدينة الرياضية. وبشيء من التدقيق بَدا أنّ قسماً لا بأس به من هؤلاء قدم من مخيمي صبرا وشاتيلا.

وقد تولى هؤلاء إطلاق الشعارات الاستفزازية والتي ظهرت للمرة الاولى منذ تحرّك الشارع في لبنان، فلقد تعمّد هؤلاء التصرف بأسلوب عنيف في الوقت الذي كانوا فيه يرفعون مستوى الاستفزاز بإطلاق العيارات الاتهامية بأنّ الجيش هو جيش الميليشيا وجيش السلطة. وسقط للجيش العديد من الجرحى من دون ان يؤدي ذلك الى استفزازه واستدراجه. وقد يكون هذا ما عنى به قائد الجيش العماد جوزف عون خلال كلمته عندما تفقّد وحداته في البقاع، حين تحدث عن شجاعة الانضباط.



والمؤشر الثالث جاء مع الاصرار على قطع طريق الجنوب عند نقطة الناعمة الخطرة. ففي السابق حصل اشتباك خطير بين عشائر العرب في خلدة ومناصرون لـ»حزب الله»، ما يعني انّ هذه النقطة تعتبر حساسة جداً وآيلة للانفجار عند كل لحظة. وهذا ما استوجب نشر قوى اضافية للجيش اللبناني.

أما المؤشر الرابع فهو ما حصل مع وزير الداخلية محمود فهمي. صحيح انّ اهالي شهداء المرفأ نظّموا وقفة احتجاجية امام منزل فهمي، إلا أن الامور بقيت في اطارها المضبوط الى حين دخول عناصر مشاغبة جاءت من خارج اطار الاهالي. وهذا ما دفع بالاهالي الى اعلان انسحابهم من المكان، لكنّ العناصر الدخيلة رفضت الانسحاب وعملت على رفع منسوب الاحتكاك ومهاجمة رجال القوى الامنية المولجة بحماية منزل وزير الداخلية.

لكن المفاجئ كان ازدياد مستوى العنف والوصول الى مدخل بناية فهمي والعمل على تحطيمه وتهديد المبنى الذي كان لا يزال فهمي في داخله. ولاحقاً، قيل انّ التعب الذي يصيب العناصر الامنية نتيجة الأوضاع المعيشية الصعبة وتدهور سعر صرف الليرة، أدى الى هذه النتيجة، فيما قرأ البعض الآخر رسالة مقصودة لفهمي الذي فضّل مغادرة منزله والانتقال الى منزل آخر في اليرزة.

وفي الاشارات الأربع ما يدعو الى التنبّه والتعاطي بمسؤولية وتأنٍ مع الواقع الذي بات يسود الساحة اللبنانية.

صحيح انّ الفوضى الشاملة لن تحصل طالما انّ الجيش اللبناني ما يزال متماسكاً ويملك حرية الحركة والتصرف، لكن لا بد ايضاً من التخفيف من الشغب السياسي الحاصل والانتاج المتلاحق للازمات بدل التفتيش عن الحلول والتسويات.

من هنا جاء موقف قائد الجيش من بعلبك، حين اعتبر أن الوضع يزداد سوءاً وسيتفاقم مع تأجيج التوترات السياسية والاجتماعية بسبب الازمة المالية.

صحيح انّ قيادة الجيش تعمل على تدبّر أمر عناصرها وافرادها من خلال السعي الدؤوب لتأمين الاحتياجات المعيشية من خلال مروحة دعم دولية واسعة، إلا أنّ الانهيار المستمر لسعر صرف الليرة يُرهق كاهل افراد المؤسسة العسكرية. وخلال الاسابيع الاخيرة برزت فكرة تدعو لإنشاء صندوق خاص لدعم الجيش اللبناني تحت رعاية الامم المتحدة.



ذلك أنّ المعادلة المرسومة واضحة، وهي: كلما كان وضع الجيش سليماً كلما تأمنت الحماية اللازمة للساحة اللبنانية من مخاطر التفتيت والاقتتال الداخلي. ولكن قد يفرض الوضع ما هو أبعد وأشد حاجة وهو أنه ليس بالجيش وحده تجري حماية لبنان، بل ايضاً بالمسؤولية السياسية، وأولها استعادة الحد الادنى من الاستقرار على مستوى السلطة في لبنان.

قرار ٳتُخذ على ٲعلى المستويات: ممنوع قطع طريق الجنوب

كشفت المعلومات عن قرار اتخذ على أعلى المستويات بمنع قطع طريق الجنوب مهما كلف الأمر ، وان عناصر تابعة لمخابرات الجيش اللبناني ترتدي ثيابا مرقطة وبكامل اسلحتها الرشاشة انتشرت على طريق الجنوب وتحديدا في المنطقة الممتدة بين الناعمة ومفرق برجا، ويفصل بين العنصر والآخر ١٥ مترا لمنع قطع الطريق، بعد إبلاغ القيادات الشيعية لقادة الأجهزة الأمنية ان قطع طريق الجنوب قبل عيد الأضحى المبارك خط أحمر، وممنوع حجز الاهالي المغادرين من بيروت والضاحية الى الجنوب لقضاء عطلة العيد و باعداد كبيرة في سياراتهم بين الناعمة ومفرق برجا ، وهذه الممارسات قد تجر البلد الى فتنة كبيرة جراء الاستفزازات والتعديات وحجز الحريات لأكثر من مليون مواطن، وهذا الأمر سيتسدعي حتما ردات فعل من الاهالي المحتجّزين على الطريق قد تؤدي الى ما لاتحمد عقباه.

وفي المعلومات ان قيادة الجيش أبلغت القيمين على الحراك وفاعليات في الناعمة وبرجا قرارا واضحا بمنع قطع طريق الجنوب. و لاشك ان خطوة الجيش اللبناني، اذا نفذت ستحمي البلد من فتنة كبيرة، لانه لايجوز ان يتم حجز المواطنين يوميا وشل حياتهم من قبل مجموعة لاتتجاوز ال ١٠٠ شخص على طريق الناعمة ، فيما كانت توجيهات حزب الله للاهالي بالصبر وتجنب الاستفزاز من أجل البلد، وتدخل بقوة لمنع القيام بردود افعال، تاركا هذا الملف بعهدة الجيش اللبناني .

واكدت مصادر متابعة ، ان ملف الطريق يجب أن يكون مدار بحث جدي بين القيادات السياسية لإيجاد مخرج، لان ما يحدث امر خطير، وحادثة بسيطة قد تشعل كل لبنان.

وتضيف المصادر ،ان طريق الجنوب لها رمزيتها وهي طريق المقاومة ، والمفروض ان تبقى مفتوحة، بالإضافة الى كونها شريان حيوي لأكثر من مليون مواطن. وحسب المصادر ، ان الشاطىء البحري بين الناعمة والجية وصولا الى مفرق برجا وصيدا هو منطقة امنية بامتياز وحساسة جدا، وغالبا ما شهدهذا «الشط» نشاطا للزوارق «الاسرائيلية»، ومحاولات إنزال وتسلل لتنفيذ عمليات امنية في الداخل اللبناني ، وبالتالي، فإن الطريق يجب أن لا يُقطع مطلقا، وهذه الثغرة خطيرة على الأمن اللبناني ، والمفروض ان لايستفيد العدو الاسرائيلي منها واستغلال الفوضى عليها لتنفيذ مآربه. ، بالإضافة الى أن القوى الأمنية تعرف الأرض الخصبة للخلايا الإرهابية في الناعمة وجوارها.

«الحريري»: «ميقاتي» مُرشّحي

قبل أن يعرض سعد الحريري مسرحية الاعتذار بشكلها النهائي، كان أمام خيارين: أقدّم اعتذاري من دون مقدّمات أم أرسل «تشكيلة أخيرة» ثم أعتذر؟ رسا القرار على السيناريو الثاني، الذي أتى بلا حبكة وبإخراج سيئ: التشكيلة اليوم والاعتذار غداً، وأي أمر آخر مرفوض! لذلك، واجه سعي رئيس الجمهورية إلى تنغيص الحلقة التلفزيونية، من خلال الإيحاء بأن التشكيلة لا تزال قيد الدرس، بطلب موعد يراعي مهلة الـ ٢٤ ساعة، ويؤكد قراره عدم المشاركة في الحوار التلفزيوني الذي عرض بعنوان «من دون تكليف»، وهو رئيس مكلف. وهو ما حصل فعلاً.

أمر واحد كان يمكن أن يعدل قرار الحريري هو موافقة رئيس الجمهورية على التشكيلة كما هي. وعلى ما تؤكد مصادر موثوقة، فإن اليوم الذي سبق زيارة الحريري لبعبدا وتقديمه التشكيلة، لم يخل من طرح سؤال: «ماذا لو فعلها رئيس الجمهورية ووافق؟». ببساطة، وجهة النظر التي سوّقت لهذا الاحتمال، كانت تضع في حسبانها أنه إذا كان رئيس الجمهورية مدركاً أن الحريري صار يتعامل مع التكليف، وحتى مع رئاسة الحكومة في هذه المرحلة، كعبء لن يحمله، فليس أفضل من «تلبيسه» بدلة رئاسة الحكومة قبيل الانتخابات، وليتحمل عندها مسؤولية الأوضاع الصعبة التي يعيشها الناس والإجراءات القاسية المتوقع أن ترافق أي برنامج من صندوق النقد. لكن رغم أن الحريري كان واثقاً بأن عون «عنيد» ولن يفعلها، أراد، على قاعدة «عدم النوم بين القبور»، تصفير الاحتمالات وعدم ترك مجال لانقلاب قد ينفذه عون. ولذلك، لغّم توزيع المقاعد الذي تم تداوله في إطار مبادرة الرئيس نبيه بري، وخاصة في ما يتعلق بوزارة الداخلية. سحبها من حصة عون، واطمأن إلى أنه قضى على أي أمل في إصدار مراسيم التشكيلة.



خلافاً لما يتردد، تجزم شخصية مطلعة بأن المصريين لم يحثوا الحريري على عدم الاعتذار. ما حصل أنه طلب موعداً من الرئيس عبد الفتاح السيسي ليبلغه قراره الاعتذار مسبقاً احتراماً منه للدعم المصري الذي تلقاه، فحصل على الموعد في اليوم نفسه لزيارة بعبدا. في مصر، كانت الأولوية، ليس للحريري نفسه، بل لتأليف الحكومة وعدم الوصول إلى الفراغ. ولذلك، سُئل الحريري عن اليوم الذي يلي. هل يرشّح بديلاً؟ لم يتردد الحريري في التأكيد أمام المصريين أن نجيب ميقاتي هو مرشحه.

عودة الحريري من مصر إلى لبنان، أعلنت، عملياً، انطلاق خطة «اليوم التالي» حكومياً وانتخابياً. لكن حماسة الحريري لبدء حملته الانتخابية دعته إلى إعلان حصول الأردن على موافقة أميركية لتصدير الغاز المصري إلى لبنان بوصفه انتصاراً لجهوده الدبلوماسية لإخراج البلد من أزمته، والأهم لكي يقول إن قضاءه أغلب وقت التأليف خارج البلاد لم يكن مضيعة للوقت، بدليل اتفاق الغاز. لكن بحسب مصادر التقت المدير التنفيذي في صندوق النقد الدولي محمود محيي الدين، فإن الأخير قال للحريري ولغيره، عندما التقاهم، إنه سمع خلال زيارته الرسمية للأردن، قبيل وصوله إلى لبنان، كلاماً عن سعي مع الأميركيين للحصول على استثناء يسمح بإعادة تشغيل خط الغاز العربي، مشيراً إلى أن الأجواء إيجابية في هذا الصدد، لكن من دون أن يحسم الأمر. وما أكد ذلك كان الجواب الذي تلقّاه الحريري في مصر عند طرح مسألة الغاز. وبالرغم من إبلاغه حماسة مصر لتصدير الغاز إلى الأردن وسوريا ولبنان، لكن الجانب المصري بدا متفاجئاً من طرح الحريري لمسألة موافقة الأميركيين، فأوضحوا أنهم سيتأكدون بأنفسهم من موقف واشنطن.



الأهم من الدعسة الناقصة الأولى للحريري، أن ما طرحه في القاهرة لم يردّده في لبنان، فلم يعلن دعمه لميقاتي، كما لم يُعلن الأخير موافقته على تولي المهمة. فما الذي حصل؟

تعتبر مصادر قريبة من المفاوضات أن الحريري لم يشأ أن يكشف أوراقه منذ البداية. فهو يفترض أن عون سيحاول تسويق شخصية من ٨ آذار في البداية، لكنه راهن على تراجعه عندما يكتشف مجدداً أن التكليف لن يكون سهلاً من دون اتفاق معه. إذ إن أي تجربة شبيهة بتجربة حسان دياب لن تكون ممكنة في المرحلة المقبلة، حيث يتطلّب الأمر رئاسة حكومة مدعومة من المكوّن السني، لتتمكن من القيام بالإجراءات الآيلة إلى بدء معالجة الوضع الاقتصادي.
ولذلك، بعدما رفض الحريري أن يسمّي أحداً، ورفض ميقاتي العودة إلى رئاسة الحكومة، كانا في الوقت نفسه يبدآن المعركة، بدعم من الرئيس نبيه بري والنائب السابق وليد جنبلاط، انطلاقاً من أن تحالفهم سيعيق سعي عون وحزب الله لطرح أي بديل في الاستشارات التي ترجّح مصادر بعبدا أن تبدأ الاثنين المقبل.



التوقعات تشير إذاً إلى حسم اسم ميقاتي بنسبة كبيرة، لكن الأخير يشترط أولاً الحصول على دعم دولي واضح لمهمته الانتحارية، والأهم أنه يريد ضمانات بأن لا تكون الحكومة حكومة انتخابات فقط، بل أن تستمر حتى الانتخابات الرئاسية. الحجة أنه خلال أشهر قليلة تفصل عن الانتخابات، لن يكون بمقدوره تنفيذ برنامجه للخروج من الأزمة. لكن المضمر في الأمر، أن ميقاتي يراهن على فترة تصريف أعمال طويلة، بعد نهاية عهد ميشال عون، ويريد أن يضمن وجوده خلالها.

مشكلة إضافية لم تحسم بعد هي إصراره على الترشّح إلى الانتخابات المقبلة، مقابل ميل داعميه إلى أن يترأس حكومة انتخابات لا تضم مرشّحين.

إلى أن تتضح وجهة المفاوضات الحكومية الجديدة، فإن الحريري قرّر التفرّغ للانتخابات النيابية متحرراً من تحمّل مسؤولية أي قرارات غير شعبية. فهو يُدرك أنه، كما الفريق المناوئ لحزب الله، داخلياً وخارجياً، لم يعد يملك شيئاً للرهان عليه، سوى الحصول على الأغلبية النيابية، بما يسمح بأن يكون له دور حاسم في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وفي تحديد مستقبل لبنان.

ولكي يحصل ذلك، لا بديل من دعم الرياض. ولذلك سيتعامل الحريري مع وجوده في المعارضة كفرصة جديدة لنيل الرضى السعودي، وبالتالي عودة الامتيازات المالية التي تضمن له الحصول على التمويل اللازم لمعركته الانتخابية. وهو إذ يدرك أن المهمة لن تكون سهلة، يُراهن على دور مصري ــــ فرنسي ــــ أميركي، قد يسمح لمحمد بن سلمان برؤية لبنان مجدداً على الخريطة.

ظروف ميقاتي مختلفة. هو زعيم طرابلسي يدرك أن لا مجال لهذه الزعامة بأن تتمدد خارج المدينة ومحيطها. رئاستان للحكومة لم تساهما في تغيير ذلك. ولذلك، تؤكد مصادر مطلعة أن عودته مجدداً رئيساً للحكومة، ولفترة طويلة نسبياً، هو حلم كبير، وحتى لو كان ذلك على حساب خروجه شخصياً من النيابة، مقابل احتفاظه بكتلة في البرلمان.

إذا كانت هذه هي فرضية ما بعد اعتذار الحريري، فكيف سيتعامل معها عون، هو الذي يترك الوقت حالياً للكتل للاتفاق على اسم تسمّيه في الاستشارات. حتى اليوم، ليست الخيارات واضحة، لكن مصادر مقربة من بعبدا تؤكد أن الأيام التي تفصل عن الاستشارات يفترض أن تكون كافية لحسم مسألة التسمية. ورغم أن نصف المشكلة مع الحريري كان شخصياً، فإن النصف المتعلق بالحصص والوجهة لن يكون سهلاً تجاوزه. يدرك الحريري وميقاتي ذلك جيداً. ولذلك، يعرفان أن رفع السقف في الوقت الراهن هو حاجة ملحّة في إطار تجميع الأوراق. لكن بعد ذلك، يدرك الثنائي أن لا بديل من البراغماتية، التي تعني عملياً التراجع عن السقف الذي وضعه الحريري.
التوقّعات بأن تنتهي كل التجاذبات المرتبطة بالتكليف والتأليف خلال ثلاثة أشهر، يتم بعدها تأليف حكومة لها مهمتان لا ثالث لهما: إجراء الانتخابات النيابية، وبدء التفاوض مع صندوق النقد الدولي.