
لم يكن أحد يتصور أننا سنكتب يوماً قصة حزينة عنوانها طابور الذل على محطات الوقود، لكن ما يعيشه الشعب اللبناني اليوم من أزمات متداخلة جعلته يختبر الموت بأبشع الطرق. وما كان يسمع عنه أو يشاهده في الأفلام بات حقيقة مرّة يتعايش معها بمرّها الذي لا ينتهي. طابور السيارات يزيد يوماً بعد يوم بعد تعثر كل الجهود والمساعي لحلحلة أزمة المحروقات، وفي كل يوم قصة جديدة مع هذا الطابور.
يتحكم البنزين في يوميات المواطن اللبناني، كما يتحكم التجار بغذائه ودوائه، دوامة الذل تواصل دورانها، وأمس توقفت في بلدة جويا – الجنوبية حيث للموت حكاية أخرى. لم يكن يعرف قاسم قاسم، الرجل الستينيّ، أن رحلته إلى طابور الذل ستكون الأخيرة، وأن أحلامه في العيش بسلام وراحة بال باتت بعيدة المنال في بلد يصارع للصمود.

استيقظ قاسم وتوجه عند الرابعة والنصف فجراً إلى إحدى محطات الوقود في بلدة جويا – الجنوب، لم يكن يشكو من شيء. إلا أن مشاهد الذل التي أصبحت تحتل ذاكرته في الآونة الأخيرة أصبحت دخيلة ومزعجة. لم يكن راضياً عن هذه الحالة المزرية التي وصل إليها اللبنانيون، كان يصعب عليه أن يرضى بكل هذه الفوضى.
يسترجع اين خالته علي السيد آخر لحظاته وما جرى معه قائلاً “أكثر من خمس ساعات قضاها قاسم في طابور السيارات لتعبئة البنزين. كان الطقس حاراً وكانت الضغوط النفسية تزيد حدة يوماً بعد يوم نتيجة ما يتعرض له المواطن. شعر بمعاناة كبيرة، هذا الإذلال اليومي لا يُشبه ما كان يتمنى أن يعيشه بعد التضحيات وتعبه كل هذا العمر. كان يقول “هيدي مش عيشتنا ولا يلي كنا عم نطمح لإلو، شو عم بصير فينا”.
بقي قاسم ينتظر دوره إلا أنه لم يأتِ، لقد أبلغهم أحد العاملين على المحطة أنه لم يعد هناك من بنزين. لم تشفع فيه كل الساعات الطويلة التي انتظرها، لم تشفع بأحد ساعات الانتظار من أجل البنزين، فوقع أرضاً. يوضح السيد أن “قاسم وقع أرضاً نتيجة توقف قلبه. هو الذي خضع منذ 10 سنوات إلى جراحة قلب مفتوح، لم يتحمل ذل الانتظار والحرارة المرتفعة والضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تشتد أكثر فأكثر. ولم تنجح كل المحاولات والإسعافات الأولية في إنقاذه، ليغمض عينيه إلى الأبد”.
برأي ابن خالته “أن قاسم ليس الضحية الوحيدة في لبنان، صحيح أنه توفي، ولكنّ هناك كثيرين “عم بموتو مية موتة قدام كل هيدي الازمات، الناس عم بروح عمرا قدام هيدي النطرة”. ربما هو ارتاح من هذا الذل ولكنه حمّل المسؤولية لغيره، ولكن نعيش في بلد حيث الطبقة السياسية في وادِ ونحن الشعب في قعر الوادي الآخر. لا أحد يشعر معنا، وما نتحمله فاق قدرتنا على التحمل. لقد عشنا الحروب والفقر والأزمات، إلا أننا لم نختبر مثل هذه الأزمة بقساوتها وذلها وقهرها”.
رحل قاسم بعدما خذله قلبه في صفوف السيارات الطويل، لم يصمد أمام ما يحدث مع الشعب، هو الذي كان يردد دائماً “ما رح نخليهم يذلونا” أغمض عينيه إلى الأبد. هكذا أغلق قاسم كتاب حياة على هذه الأرض، قصته أيقظت وجع كثيرين وغضبهم، من يتصور أننا سنكتب عن أرواح سنخسرها في أماكن يومية كانت فيها الحياة طبيعية قبل أن يتحكم الدولار فيها. وكما يقول ابن خالته “لقد مات قاسم ولكن الشعب كله مش عايش، هذه الضغوط والأزمات النفسية ستترك آثارها على حياتهم، لا محالة”.
يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.