
فاتن الحاج – الأخبار
مصير العودة إلى المدارس، الاثنين المقبل، يتحدد في اجتماع يعقد، غداً، بين وزيري التربية عباس الحلبي والصحة فراس الأبيض لبحث مدى توافر معايير الالتحاق بالصفوف في ضوء تطورات جائحة كورونا ومستجدات متحور «أوميكرون».
الحلبي استبق الاجتماع بتصريح رفض فيه التعليم عن بعد قائلاً: «إما تعليم حضوري وإما إقفال المدارس إذا كان هناك إقفال عام… التعليم أونلاين ضد عقلي». فيما أوضح الأبيض لـ«الأخبار» أنه ليس متحمساً لإقفال المدارس، ليس بسبب الأثر التربوي للإغلاق فحسب، إنما أيضاً، للانعكاس السلبي لذلك على الصحة النفسية للتلامذة وأهاليهم. لكن قرار العودة «سيرتكز إلى مؤشرات أساسية، منها مسار حملة التلقيح لا سيما في صفوف الأساتذة والتلامذة والإداريين، وسنطّلع على أرقام وزارة التربية في هذا الخصوص. إذ إن هناك فرقاً بين مدرسة حصل 90 في المئة من طاقمها الإداري على التلقيح ومدرسة لم يتلقح فيها أحد». كذلك سيجري، بحسب الأبيض، ترصّد الواقع الوبائي هذا الأسبوع، وما إذا كانت أرقام الإصابات سترتفع إلى 6 آلاف أو 8 آلاف إصابة أم ستستقر عند 3 أو 4 آلاف إصابة. والمؤشر الثالث هو مدى جاهزية المدارس لإجراء الفحوصات اللازمة أو الفحص السريع بالحد الأدنى أو تأمين الكمامات، لا سيما في المدارس الرسمية.
لا يخفي رئيس لجنة الصحة النيابية النائب عاصم عراجي أن القلق «موجود بالنظر إلى المعطيات العالمية، لجهة الانتشار السريع لمتحور أوميكرون بزيادة 4 مرات عن متحور دلتا، وهو يتضاعف كل يومين ونصف يوم»، معرباً عن اعتقاده بأن الأعداد في لبنان «ليست دقيقة بسبب إحجام البعض عن إجراء فحص الـ PCR». ولفت إلى أن «المشكلة لا تكمن في الرقم بقدر ما تتعلق بالإصابات الخطرة التي تحتاج إلى عناية مركزة، وسط عدم جاهزية المستشفيات الحكومية (نسبة الأسرّة المتوافرة لا تتجاوز 40 في المئة)، فيما ترفض المستشفيات الخاصة استقبال المرضى لعدم توافر الأموال والممرضين والممرضات الذين هاجروا بنسبة كبيرة».
ليس لدى عراجي رقم لأعداد التلامذة الملقحين، «لكنها ليست كبيرة، وسنطلع عليها من وزارة التربية ونبني على الشيء مقتضاه، وإن كنا نسعى إلى عدم تجرع الكأس المرة، أي الإقفال العام، لأننا ندرك سلفاً أن الناس لن تلتزم القرار لكون الدولة لم توفر شبكة أمان اجتماعي ومساعدات للموظفين والمعلمين».
التوجه العام لاتحاد المؤسسات التربوية الخاصة هو الالتزام بالقرار الذي سيرشح عن اجتماع وزيري التربية والصحة. وهو إذ يفضل، كما تقول مصادره، العودة الحضورية إلى الصفوف لكونها أكثر جدوى من الناحية التربوية، تعمل المدارس المنضوية، في إطاره، في الوقت نفسه، على خياري التعليم «أونلاين» و«أوفلاين» (غير التزامني، أي أن المعلمين يضعون المواد التعليمية على المنصة الإلكترونية، والتلامذة يطلعون عليها عندما يسمح لهم الوقت بذلك نظراً لمشاكل الكهرباء والإنترنت).
اتحاد لجان الأهل وأولياء الأمور في المدارس الخاصة يؤيد موقف وزير التربية بعدم العودة إلى التعليم عن بعد، إذ «ليست هناك قدرة على تحمل خسارة عام دراسي ثالث على التوالي، والمدارس هي المكان الأكثر أماناً، وليس منطقياً أن نقفل المدارس ونفتح المقاهي والمحلات التجارية ودور السينما. فليقفل كل البلد ولتفتح المدارس»، على ما قالت رئيسة الاتحاد لمى الطويل.
في التعليم الرسمي، المسألة لا تتعلق بكورونا فحسب، إنما هناك قضية أساتذة في الملاك ومتعاقدين غير قادرين على الالتحاق بمدارسهم، «ولم يتحقق أي من الوعود التي قطعت لهم»، بحسب رئيس رابطة المعلمين الرسميين حسين جواد. وأكد أن «لا أحد من الأساتذة يريد العودة. فلا نصف أساس الراتب وصل، ولا أجر ساعة المتعاقد ازداد، ولا بدل النقل رفع، ولا أموال المدرسة الصيفية دفعت، ومستحقات الامتحانات الرسمية لم تحوّل لجميع الأساتذة، والـ 90 دولاراً من الدول المانحة وزعت بشكل عشوائي ومن دون معايير واضحة»، مشيراً إلى أن كلام وزارة التربية عن أخطاء في الداتا «مردود، ولا يتجاوز التسويف والمماطلة». وأكد أن التعليم الحضوري سيكون خيارنا الوحيد، بعد فشل التعليم أونلاين في المدارس الرسمية لعدم توافر الموارد التعليمية، «لكننا لن نعود قبل إعطائنا حقوقنا».
كما كتب نعمه نعمه في الأخبار:
توقّف التعليم الحضوري، بسبب جائحة كورونا، 21 شهراً تابع خلالها بعض التلامذة تعليماً عن بعد لم يكتسب خلاله التلامذة المهارات والكفايات المطلوبة، وكان تقييم وزارة التربية له بأنه غير فعّال. إلا أن الوزارة والمركز التربوي للبحوث والإنماء لم يضعا خططاً علاجية للتعليم وإعادة فتح المدارس، وما تتطلبه من إعادة التوازن للخلل العلائقي والمسلكي والعاطفي والنفسي والمعرفي للتلامذة. في الحدّ الأدنى، تسبب الإقفال في فقدان 21 شهراً من الاكتساب، فضلاً عما يحصل من تفاوت في إطلاق العام الدراسي في القطاع الخاص وتعثّره في الرسمي.
نتائج توقف التعليم، كلياً أو جزئياً، لنحو 1.6 مليار طفل وشاب في العالم كانت محور تقرير جديد أصدرته منظمتا «يونيسف» و«يونسكو» والبنك الدولي، وبيّن أن أكثر المتضررين كانوا الأطفال الأصغر سنّاً والأكثر تهميشاً وحرماناً.
أما في لبنان، فتعود مشكلة التعليم في جزء كبير منها إلى ما قبل الجائحة، ولا سيما لجهة التفاوت الكبير بين التعليم الرسمي والخاص، قبل أن تأتي الجائحة والأزمة الاقتصادية لتوسّعا الهوة وتُضعفا جودة التعليم.
وتشير إحصاءات المركز التربوي إلى أن ما يقارب نصف التلامذة الملتحقين بالمدارس يتخلّون عن متابعة الدروس بعد المرحلة المتوسطة (يستمر في التعليم الثانوي نحو 48 ألف طالب من أصل 92 ألف ملتحق بالصف الأول الأساسي). وترتفع النسبة إلى أكثر من 70% هذا العام.
لتحديد معايير جودة التعليم، تعتمد التقارير الدولية على سنوات التعليم الفعلية، وتقارنها بفعّالية سنوات التدريس. في لبنان مثلاً، هناك 12 سنة تعليم فعلي من الصفّ الأول الأساسي حتى الثانوية العامة، وإذا أضفنا إليها سنوات التعليم المبكّر، أي مرحلة الروضة والحضانة الأولى والثانية (nursery, KG1, KG2) المتوفرة إجمالاً في التعليم الخاص، يكون مجموع سنوات التعليم 15 سنة. لكن غياب جودة التعليم يقلّص سنوات فعّالية التعليم إلى ما بين سنتين و4 سنوات، أي أن التلميذ اللبناني يتابع 15 سنة من التدريس ويكتسب مستوى تعليمياً لا يتعدى مستوى تلميذ في كوريا أو سنغافورة أمضى 11 أو 12 سنة دراسية فقط، وذلك استناداً إلى نتائج الاختبار العالمي (PISA) لعام 2015. إذ أن أكثر من ثلثي طلاب لبنان لم يقدموا مستوى الكفاءة الأساسية في العلوم والقراءة والرياضيات. ويكون لبنان، بذلك، متخلّفاً عن المعيار العالمي بمقدار 3 سنوات تقريباً. كما أن هناك فوارق بين تلامذة التعليم الخاص والتعليم الرسمي لجهة الالتحاق بمرحلة التعليم المبكر ومستوى التعليم وجودته، ما يشير إلى أن فارق السنوات الفعّالة قد يرتفع إلى خمس سنوات تأخر لدى تلامذة التعليم الرسمي.
ليس تفصيلاً أيضاً تأثير الأزمة الاقتصادية والمالية التي جعلت آلاف العائلات تنقل أولادها من التعليم الخاص إلى التعليم الرسمي المتعثّر (73 ألف تلميذ)، ودفعت ما يزيد على 4 آلاف معلم ومعلمة من ذوي الكفاءات والخبرات في الخاص والرسمي إلى مغادرة البلد أو التعليم. وفي كلا الحالين أي النزوح من الخاص إلى الرسمي لأسباب مالية أو هجرة المعلمين، خسر التلميذ كفاءات متمرسة وقادرة على إحداث خروقات واستعادة جزء من الفاقد التعليمي، أي المكتسبات التي لم يحققها خلال التعليم عن بعد، حيث استُبدل المعلمون بآخرين أقل خبرة وبرواتب متدنية.
كما كانت للأزمة تداعيات كبيرة على التعليم الرسمي الذي لم ينطلق بشكل طبيعي حتى اليوم بسبب تأخر وصول المساعدات الاجتماعية إلى الأساتذة، ما جعل العام الدراسي يتأخر ثلاثة أشهر عن العام الدراسي في القطاع الخاص، وهو ما سيفاقم التفاوت بين القطاعين (راجع الرسم المرفق).
يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.