
في حمأة حرب السنتين (1975-1976) تعاظم الاستياء السعودي من اتساع رقعة المد اليساري في لبنان من خلال المقاومة الفلسطينية والتي اغدقت على ما كان يسمى “الأحزاب والقوى التقدمية” المال والسلاح والدعم غير المحدود للشيوعيين والاشتراكيين والقوميين السوريين والناصريين. يومها زار المغفور له الرئيس صائب سلام السعودية زيارة خاطفة، وفور عودته إلى بيروت أبصرت النور “حركة رواد الإصلاح” التي اختار سلام لقيادتها نجله تمام (الرئيس الأسبق للحكومة) واقتصرت مهمة الحركة على التصدي لحركة المرابطون الذين كانوا أخضعوا الشارع البيروتي لسيطرتهم.
ما حصل يومها وبعدها بات ملكًا للتاريخ لكن المعروف أن صائب بك لم يكن يومًا من المتعاطفين مع النظام السوري وكان مستقلاً إلى درجة متمايزة دفعته لاحقًا إلى تأييد الشيخ بشير الجميل (بعد انتخاب الأخير رئيسًا وليس قبلا) فدفع الثمن واختار المنفى الطوعي إلى سويسرا وبقي هناك إلى ان توسّط الرئيس الشهيد رفيق الحريري لدى السوريين لعودته إلى المصيطبة عرين آل سلام وحصنهم.
اليوم وبعد أقل من نصف قرن، نقمت السعودية على سعد الحريري، دخلت في صدام مباشر غير مبرر معه، لم تكتف بمحاربته وإحراجه وإخراجه بل تتهمه بمجاراة “أعدائه وقتله والده” وتقديم أكبر خدمة لهم عبر دعوته لحزبه والمناصرين وأبناء طائفته لمقاطعة الانتخابات وإخلاء الساحة لحزب الله والتيار العوني كما جاء في هجوم صحيفة عكاظ غير المسبوق على سعد الحريري.
للوهلة يظن المتتبع لأخبار الحريري الذي اختار المنفى الإماراتي طوعًا (أو قسرا) والإعلام السعودي المتربص به، ان الحريري خسر وان السعودي انتصر. لكن ما حصل في الأسبوعين الماضيين قلب المعادلة وغيّر الأحوال.
كثر من أهل السياسة يرون أن الحريري رد اعتباره من خلال رد الصاع صاعين للسعودية وتحدّيها وعدم الرضوخ لمشيئتها دعوة السنّة للانتخابات وعدم المقاطعة وتجيير جمهوره للمفوّض السامي السعودي و”السفير الممتاز” ووريث عبد الحميد غالب (السفير المصري في زمن كميل شمعون وفؤاد شهاب) وليد البخاري.
والأمر الثاني من خلال الثغرات والفجوات الكبيرة في جدار الزعامة السنّية التي تحتار الرياض في كيفية سدّها وردمها وتضييق شقة الخلاف وهوة الاختلاف بين أركان الطائفة المشتتين بين الفؤادين: السنيورة والمخزومي وميقاتي وحزب الله والأحباش وعبد الرحيم مراد وأسامة سعد والمفتي عبد اللطيف دريان الذي عمم على أئمة المساجد وخطبائها التشديد على المشاركة بالانتخابات على طريقة “التكليف الشرعي” عند الشيعة تحت عنوان الحفاظ على مستقبل بيروت وهويتها وهنا طبعا المقصود حزب الله الذي تحاور الرياض قيادته ومرجعيته طهران في بغداد برعاية مصطفى الكاظمي صديق الأميركيين وقريب الإيرانيين وليس بغريب عن السعوديين.
أما الأمر الثالث فهو تحوّل الحريري إلى رمز للمظلومية في نظر مؤيديه ومحبيه – وغيرهم من فئات ناهضته وجهات خاصمته ترى فيه رجل سياسة استطاع خارج الحكم الاتيان بما لم يأتِ به داخل الحكومة، وانه أثبت زعامته خارج السراي أكثر مما برهنها داخل السراي – هذه المظلومية يقول مسؤول بارز في حزب كبير أن سعد الحريري بإمكانه أن يبني عليها للمرحلة المقبلة بعد الانتخابات النيابية والرئاسية وفي زمن التسوية الآتية والحكومة العتيدة، وللبحث صلة مع سعد الحريري الآخر المختلف بعد انتهاء مرحلة اجتياز الصحراء التي يمر بها اليوم…
الأحد لن يكون كأي يوم آخر، الأحد الكبير – أحد الفصح – بالمعنى السياسي – أي العبور من حال إلى حال (وربما إلى الأسوأ كما إلى الأفضل).
ستكون أول انتخابات بعد انتفاضة 17 تشرين الأول وستشكل أول اختبار لقوى التغيير واتجاهات الرأي، ستكون انتخابات الأحد امتحانا للمجتمع المدني (أو المجتمعات المدنية) في وجه المجتمع الطائفي والمجتمع الحزبي والمجتمع المذهبي والمجتمع المصرفي والمجتمع الجامع لقوى الفساد.
لن تكون انتخابات كغيرها، هذه الانتخابات تريدها الأحزاب أكثر مما يريدها الشعب والناس والشابات والشباب وقوى التغيير. لأن الأحزاب تخوضها من باب ردّ الاعتبار ومحو الدعاية السوداء والصورة السيئة التي لصقت بها منذ 2019 (وطبعا من قبل).
ستكون انتخابات سياسية بامتياز وهذا الأمر المحير والمرعب والمستغرب في بلد شعبه جائع وضائع وفقير ومعوز فلا شعارات حياتية ولا برامج اقتصادية ولا عناوين إصلاحية إنقاذية. كل الشعارات واللافتات واللوحات واليافطات سياسية تغذيها ماكينات حزبية طائفية زعاماتية صنمية لا قِبَل للبنانيين بردها.
ستكون انتخابات فاقعة بين حزب الله وخصومه (وأعدائه في الخارج والمحيط) من دون قفازات ولا مساحيق تجميل ولا أقنعة, هم يقولون أن مشروعهم منع حزب الله من استكمال وضع يده على البلد وهو يرد بأن مشروعه منعهم من تنفيذ مآرب أميركا وإسرائيل والسعودية بوضع اليد على قرار لبنان ونفطه وغازه وخياراته السياسية.
وضع حزب الله نظريا – وعمليا – أفضل، فهو يجمع الشيعة فيه ومعه وخصومه مشتتون. هو يمسك بمفاصل السلطة – عبر حلفاء وأصدقاء – وهم خرجوا منها أو لم يعودوا فاعلين فيها. المعارضة مشتتة، الطائفة السنّية تفتقد مرجعيتها وتبحث عن زعيم.
ستكون الانتخابات – في الدوائر التي يغلب عليها اللون الشيعي – استفتاء شعبيًا على دور ومشروع وخيارات حزب الله السياسية وليس على شعبيته ومقاعده وحصته البرلمانية لهذا السبب يحشد السيد نصرالله بخطاباته واطلالاته ويستنفر وتجييش لرفع نسبة المشاركة وليس لرفع الحواصل – المتوافرة أصلا – وذلك بهدف تبيان حجم التأييد الشعبي للحزب والمقاومة ومرجعية السيد نصرالله.
في الساحة المسيحية – وكالعادة – ستكون معركة كسر عظم وكسر ظهر بين القوات والعونيين. من نافل القول أن التيار الوطني الحر لم يعد بالقوة التي كان عليها العام 2005 و2009 و2018. حقيقة الأمر ان التيار بلغ الذروة والقوة مع وصول العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية وسرعان ما بدأت المتاعب والمصاعب والمصائب في وجه العهد معطوفة على جائحة كورونا وانفجار المرفأ وحرب أوكرانيا وكل ما سبق من انهيارات داخلية وتداعيات مالية واقتصادية لم ترحم صورة الرئيس عون التي تضررت عن سوء نيّة من جهة خصومه وسوء تقدير من جهة المحيطين به وأركان عهده وفريق عمله.
في وقت لم تتقدم القوات لكنها استفادت من أخطاء التيار رغم انها لم تقدم أي مشروع جدّي ولم يسمع احد بأي طرح إصلاحي تقدم به وزراؤها أو نوابها وكان جل اهتمامها صب الانتفادات وشن الهجمات على التيار وجبران باسيل وتحييد وليد جنبلاط ومراعاة نبيه بري وتحاشي سعد الحريري وتجنب سليمان فرنجية وإرسال رسائل مشفرة ومرمزة إلى حزب الله – وأحيانًا علنية – تبغي التواصل وتنشد الوصال من دون أن تلق ردًا إيجابيًا فتعود إلى التصعيد وتعيد من جديد أسطوانة السلاح والاحتلال والسيادة وإلى آخر المعجم من مفردات التعبئة والشحن واستجلاب الدعم.
ستكون انتخابات مقلقة لوليد جنبلاط الذي بدأ نجمه بالسطوع مع اغتيال والده وأفلّ نجمه وخبا مع اغتيال رفيق الحريري وما يقوم به منذ 2005 ليس إلا وقتًا إضافيًا أو مستقطعًا أو ضائعًا، لذا تراه يحذّر من اغتيال جديد وهو إما يعلم ذلك – كما علم قبل اغتيال الحريري – أو يستدر العطف ويعيد الذي ابتعدوا عن حظيرة المختارة تحت عناوين الخطر الداهم والهجوم القادم على الطائفة والمنطقة والحزب والزعيم والوريث والبيت…
ستكون انتخابات لا سابق لها من حيث الاهتمام الدولي الذي يرعى فيها إعادة تكوين السلطة ورسم خارطة مواقع جديدة وإعادة انتشار ملائمة وهذا المجتمع – المتلهي – بالحرب الأوكرانية الآن ولوقت طويل – يعرف أن هذه الانتخابات لن تنتج تغييرًا ملموسًا وجذريًا ولن تقلب الموازين السياسية. فالبرلمان الجديد لن يختلف عن سابقه إلا قليلا والتغيير سيكون في الوجوه والأسماء وليس في المضمون والأداء.
ستكون انتخابات شرسة في دائرة بيروت الثانية حيث المواجهة السنية – الشيعية وفي دائرة الشوف-عاليه وهي أكبر دائرة في لبنان حيث سيسعى حزب الله إلى نقل المعركة إلى عقر دار جنبلاط مستفيدًا من غياب العنصر السني – المستقبلي في أقليم الخروب.
المعركة الكبيرة ستكون في دائرة الشمال الثالثة – دائرة الرؤساء الثلاثة!! حيث يسعى جعجع ومعوّض والجميل لاسقاط باسيل وسليمان فرنجية يعمل لاسقاط جعجع في بشري عبر إنجاح ابن عم زوجته وليم طوق وحيث تسعى القوات لتشليح فرنجية أحد المقاعد الثلاثة في زغرتا في المقابل.
أما معركة المعارك فستكون في دائرة بعلبك-الهرمل وهي دائرة المواجهة الوحيدة بين جعجع وحزب الله, اسقاط أنطوان حبشي هدف رئيسي لحزب الله والقوات ستطرح الصوت باعتبار انها معركة وجود وحياة أو موت.
وفي مكان ما في جبل لبنان – في المتن الشمالي تحديدًا – لا يخفي الرئيس ميشال عون تعاطفه الشخصي مع ابن أخيه – كما يسمّي النائب أدي معلوف – في قضاء الـ8 نواب سيسعى التيار للقضاء على ملحم رياشي واسقاطه مدركًا ان نجاح معلوف قد يؤدي إلى إخراج إبراهيم كنعان من الندوة البرلمانية…
الأحد 15 أيار سيتابع سعد الحريري مجريات اليوم الانتخابي ويتفرج من بعيد على المشهد السني الذي سيكرر المشهد المسيحي في العام 1992. القريبون منه يقولون: الحريري راجع… لكن بعد الانتخابات.
Media Factory News